الفيض الكاشاني

199

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد » ( 1 ) ويدلَّك على فضل لزوم الصمت أمر وهو أنّ الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض وقسم هو نفع محض ، وقسم فيه ضرر ومنفعة ، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة أمّا الَّذي هو ضرر محض فلابدّ من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر المنفعة وأمّا الَّذي لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرّابع فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع وهذا الرّبع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقايق الرّياء والتصنّع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطرا ، ومن عرف دقائق آفات اللَّسان على ما سنذكره علم قطعا أنّ ما ذكره رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هو فصل الخطاب حيث قال : « من صمت نجا » ( 2 ) فلقد أوتي واللَّه جواهر الحكم وجوامع الكلم ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواصّ العلماء وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء اللَّه ونحن الآن نعدّ آفات اللَّسان ونبتدئ بأخفّها ونترقّى إلى الأغلظ قليلا قليلا ونؤخّر الكلام في الغيبة والنميمة والكذب فإنّ النظر فيها أطول وهي عشرون آفة . * ( الآفة الأولى الكلام فيما لا يعنيك ) * اعلم أنّ أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات الَّتي ذكرناها من الغيبة والكذب والمراء والنفاق وغيره وتتكلَّم بما هو مباح لا ضرر فيه عليك ولا على مسلم أصلا إلا أنّك تتكلَّم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة بك إليه ، فإنّك به تضيّع زمانك وتحاسب على عمل لسانك ، وتستبدل الَّذي هو أدنى بالَّذي هو خير لأنّك لو صرفت زمان الكلام إلى الفكر ربّما كان ينفتح لك من نفحات رحمة اللَّه عند الفكرة ما يعظم جدواه إذ لو هلَّلت اللَّه وسبّحته وذكرته لكان خيرا لك ، فكم من كلمة يبنى بها قصر في الجنّة ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز فأخذ بدله

--> ( 1 ) ق : 18 . ( 2 ) تقدم عن الدارمي وأحمد .